​«درع واضع اليد.. محكمة النقض تحسم معركة تزاحم العقود العرفية وتمنع طرد الحائز غير المسجل»

⚖️ بقلم الأستاذ: محمد اسماعيل منصور | المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة (ماجستير القانون العام)
طالما غاب التسجيل.. حماية الحيازة وتكافؤ العقود العرفية في قضاء النقض الحديث

دراسة تحليلية ومقال قانوني: حكم محكمة النقض في الطعن رقم 13754 لسنة 92 قضائية

تاريخ صدور الحكم: 22 يونيو 2023م (الموافق 4 ذو الحجة 1444 هـ)

الهيئة القضائية: محكمة النقض المصرية – الدائرة المدنية (دائرة الخميس "ب" المدنية)

​مقدمة تمهيدية

​تعتبر النزاعات المتعلقة بملكية الأراضي والعقارات غير المسجلة من أكثر القضايا شيوعاً وأشدها تعقيداً أمام المحاكم المصرية. 

وفي هذا الإطار، أصدرت محكمة النقض حكماً حاسماً ومبدئياً في الطعن رقم 13754 لسنة 92 ق بجلستها المنعقدة في 22 يونيو 2023. 

يضع هذا الحكم قواعد قانونية قاطعة تتعلق بآثار العقود العرفية (الابتدائية)، وحدود سلطة المشتري واضع اليد في مواجهة المشترين الآخرين المتزاحمين معه على ذات العقار.

​أولاً: وقائع النزاع وخلفيته القضائية

​تدور وقائع هذه القضية حول نزاع نشأ في مركز "العدوة" بمحافظة المنيا على قطعة أرض زراعية تبلغ مساحتها 12 سهمًا و6 قراريط.

  • موقف الطاعنين: طالبت الطاعنة الرابعة (سمية حسين عبد القوى - عن نفسها وبصفتها وصية على القاصرين) ومعها بقية الطاعنين بطرد المطعون ضدها الأولى (سنية جمعة علي) وورثة المرحومة (حسنية محمود صابر) من الأرض وتفنيد عقود البيع العرفية الصادرة لصالحهم. واستند الطاعنون في ذلك إلى "عقد بيع مسجل" صادر لمورثهم (صالح أحمد رمضان) بتاريخ 29 مايو 2006.
  • موقف المطعون ضدهم: تمسكت المطعون ضدها الأولى (سنية جمعة علي) بوضع يدها الفعلي والظاهر على الأرض الزراعية محل النزاع، استناداً إلى عقود شراء عرفية صادرة لها من ورثة المالك الأصلي للأرض.

​ثانياً: التسلسل القضائي للنزاع (رحلة القضية في المحاكم)

​شهدت القضية مساراً قضائياً طويلاً تنقلت فيه بين مختلف درجات المحاكم على النحو التالي:

  1. محكمة أول درجة (محكمة المنيا الابتدائية): قضت في البداية برفض طلب الطرد وبطلان عقود البيع العرفية الثلاثة المبرمة لصالح الطاعنين، وألزمت الطاعنة الرابعة بالتسليم بناءً على ما انتهى إليه تقرير الخبير المنتدب في الدعوى.
  2. محكمة الاستئناف (بني سويف - مأمورية المنيا): قضت بتأييد الحكم المستأنف في الاستئنافات المضمومة بجلسة 29 أغسطس 2016.
  3. محكمة النقض (المرة الأولى): طعن الطاعنون على الحكم الاستئنافي، فقضت محكمة النقض بجلسة 5 نوفمبر 2017 بنقض الحكم وإحالة القضية مجدداً إلى محكمة الاستئناف لتقضي فيها من جديد (الطعن رقم 15344 لسنة 86 ق).
  4. محكمة الاستئناف (بعد الإحالة الأولى): بعد تعجيل السير في القضية، أصدرت محكمة الاستئناف مجدداً حكماً بتأييد الحكم المستأنف بجلسة 24 أبريل 2022.
  5. محكمة النقض (المرة الثانية - الحكم النهائي): طعن الطاعنون للمرة الثانية أمام محكمة النقض تحت رقم 13754 لسنة 92 ق. وحيث أن الطعن يُنظر للمرة الثانية، تصدت المحكمة للموضوع وقضت بحكمها النهائي التاريخي بـ إلغاء الحكم المستأنف وبرفض دعوى الطرد كلياً.

​ثالثاً: المبادئ القانونية والتأصيل الفقهي الذي أرسته محكمة النقض

​أسست محكمة النقض حكمها النهائي على ثلاثة مبادئ قانونية محورية تُعد مرجعاً هاماً لجميع رجال القانون:

​1. الملكية العقارية لا تنتقل إلا بالتسجيل

​أعادت المحكمة التأكيد على النص الآمر في المادة التاسعة من القانون رقم 114 لسنة 1946 بتنظيم الشهر العقاري؛ حيث قررت أن الملكية في المواد العقارية لا تنتقل بين المتعاقدين ولا بالنسبة للغير إلا بالتسجيل. وبناءً عليه، فإن العقود العرفية غير المسجلة لا تنقل الملكية، بل تقتصر آثارها على إنشاء التزامات شخصية متبادلة بين طرفي العقد (البائع والمشتري).

​2. صحة تصرف الوارث بالبيع العرفي

​قررت المحكمة أن قيام الوارث ببيع العقار الموروث بموجب عقد عرفي قبل تسجيل حق الإرث يُعد تصرفاً صحيحاً ونافذاً في حق الورثة، ما دام أن المورث الأصلي لم يتصرف في ذات العقار حال حياته تصرفاً ناقلاً للملكية ومسجلاً، أو تصرفاً مقترناً بحيازة قانونية فعلية.

​3. قاعدة المفاضلة عند تزاحم المشترين بعقود عرفية (حماية واضع اليد)

​وضعت المحكمة قاعدة ذهبية للمفاضلة عندما يتزاحم أكثر من مشتري بعقود عرفية غير مسجلة على عقار واحد، وجاء في حيثيات الحكم المبدئي:

"متى تعادلت سندات المشترين لعقار واحد بأن كان عقد شراء كل منهما ابتدائياً (عرفياً غير مسجل)، فإن تسلُّم أحدهما العقار من البائع تنفيذاً للالتزامات الشخصية التي يرتبها العقد بينهما، يحول دون نزع العين من تحت يده وتسليمها للمشتري الآخر، إذ لا يجوز نزع العين من تحت يد واضع اليد وتسليمها إلى مشتري آخر إلا بعد تسجيل عقده وثبوت أفضليته." 

​وتطبيقاً لذلك على وقائع القضية: تبين أن المطعون ضدها الأولى (سنية جمعة) تضع يدها على الأرض بموجب سند شراء عرفي صادر لها من ورثة المالك الأصلي، وحيث أن عقود الطاعنين هي أيضاً عقود عرفية (ابتدائية) غير مسجلة، فقد تساوت وتعادلت سندات الطرفين. وطالما تعادلت السندات، فلا يجوز قانوناً طرد واضع اليد (المطعون ضدها الأولى) أو نزع الأرض منها لصالح الطاعنين الذين لم يسجلوا عقودهم أيضاً.

​رابعاً: منطوق الحكم الحاسم

​بناءً على هذه الأسباب والأسس القانونية الرصينة، أصدرت محكمة النقض حكمها الآتي:

"نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه وألزمت المطعون ضدها الأولى المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة، وحكمت في موضوع الاستئنافات أرقام 319 لسنة 51 ق، 2305 لسنة 52 ق، 434 لسنة 51 ق بني سويف - مأمورية المنيا - بإلغاء الحكم المستأنف وبرفض الدعوى."


تنبيه قانوني: هذا المقال لغرض التوعية القانونية العامة فقط، ولا يغني عن استشارة محامٍ متخصص في موضوعك تحديداً نظراً لتغير القوانين وتشعب الحالات وتنوع الدفوع من قضية لأخرى.

خاتمة وتعليق قانوني:

​يمثل هذا الحكم انتصاراً كبيراً لـ استقرار المراكز القانونية وحماية الحيازة الفعلية (وضع اليد) المستندة إلى سبب قانوني صحيح. فالمحكمة منعت التلاعب بالملكية العقارية عبر العقود العرفية المتعددة، وجعلت من "التسجيل" في الشهر العقاري هو السبيل الوحيد والشرعي للمطالبة بنزع العقار من واضع اليد.

 وطالما بقي المشترون في دائرة العقود العرفية دون تسجيل، فإن الأولوية تظل دائماً للمشتري الذي بادر بحيازة العقار وتسلمه فعلياً على أرض الواقع.







⚖️ مكتب الأستاذ : محمد اسماعيل منصور
المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة / ماجستير القانون العام

📍 يسعدنا استقبالكم بمقر المكتب الرسمي، أو تقديم الدعم القانوني السريع عبر رابط الواتساب المباشر في أعلى المقال.


جميع الحقوق محفوظة © 2026 للأستاذ محمد اسماعيل منصور المحامي

يمنع نسخ أو إعادة نشر هذا المحتوى أو اقتباسه دون ذكر المصدر برابط مباشر، حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية والجهد المبذول في التأصيل والتحليل القانوني.