سلطة القضاء فوق الرأي الفني: خطأ الاستكتاب الذي عصف بتقرير التزوير وأبطل حكم الاستئناف

⚖️ بقلم الأستاذ: محمد اسماعيل منصور | المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة (ماجستير القانون العام)

مقدمة: حدود الخبرة الفنية وهيمنة الرقابة القضائية

​تستقر العدالة الناجزة على قاعدة أصولية مفادها أن "القاضي هو الخبير الأعلى في دعواه"، وهي قاعدة لم تُوضع لمجرد الترف الفقهي، بل لترسيخ أصل دستوري وقانوني حاسم: إن تقارير الخبراء وأبحاث التزييف والتزوير لا تعدو كونها أدلة إثبات مطروحة على بساط البحث والتمحيص، وليست عقائد معصومة من الخطأ، ولا نصوصاً تنزلت بمنأى عن رقابة القضاء ومناقشة الخصوم.

​وفي قضية استثنائية تصدت لها محكمة النقض المصرية (الدائرة المدنية) في الطعن رقم 32619 لسنة 93 قضائية (بجلسة 9 مايو 2026 م)، أرسيت معالم واضحة في كيفية بسط الرقابة القضائية على أعمال الخبراء، وكشفت عن خطأ إجرائي وفني قاتل في استكتاب التزوير أعاد ترتيب أوراق نزاع مالي معقد، وهدم حكماً استئنافياً اعتمد بشكل أعمى على نتيجة تقرير فني دون التثبت من سلامة منهجه وأسبابه.

​أولاً: الوقائع وحيثيات النزاع المالي (من أول درجة إلى الاستئناف)

​تبدأ الوقائع في عام 2019، حينما تحرك المدعي (الطاعن لاحقاً) قضائياً أمام المحكمة الابتدائية (محكمة بلقاس الكلية - مقيدة برقم 606 لسنة 2019 مدني بلقاس) بطلب إلزام المدعى عليه (المطعون ضده) بـ مبلغ 650 ألف جنيه مصري والفوائد القانونية بواقع 4% سنوياً من تاريخ الإنذار الرسمي بالسداد المؤرخ في 9 سبتمبر 2019، استناداً إلى إيصال أمانة مُحرر لصالحه.

​1. مسار الدعوى أمام محكمة أول درجة:

  • ادعاء التزوير: طعن المدعى عليه بتزوير الإيصال صُلباً وتوقيعاً.
  • إجراءات ندب الخبير: أحالت المحكمة المستند إلى قسم أبحاث التزييف والتزوير للاستكتاب والتأكد من صحة التوقيع والصلب.
  • التخلف عن الحضور والحكم الابتدائي: تخلف المدعى عليه (المطعون ضده) عن الحضور أمام الخبير ولم يمثل لإجراءات الاستكتاب، وبتاريخ 25 ديسمبر 2021 أصدرت المحكمة حكمها بإلزام المطعون ضده بأن يؤدي للطاعن المبلغ المطالب به (650 ألف جنيه) والفوائد القانونية.

​2. الانقلاب أمام محكمة الاستئناف (استئناف المنصورة):

  • استئناف الحكم: طعن المطعون ضده على الحكم الابتدائي بالاستئناف رقم 839 لسنة 74 ق استئناف المنصورة.
  • إعادة المأمورية للخبرة: قررت محكمة ثاني درجة إعادة الدعوى لقسم أبحاث التزييف والتزوير لإعادة الاستكتاب.
  • نتيجة التقرير الفني: أودع الخبير تقريراً انتهى فيه إلى نتيجة مزدوجة:
    1. ​المطعون ضده لم يوقع التوقيعين المنسوبين إليه على الإيصال، ولم يكتب بيانات اسمه ورقم قوميه وعنوانه.
    2. ​المطعون ضده هو الكاتب لبيانات اسم المستلم منه، والمبلغ أرقاماً وحروفاً، واسم المسلم إليه، وأن ذلك تم في ظرف كتابي لاحق على البيانات السابقة.
  • الحكم الاستئنافي: استناداً إلى هذه النتيجة، قضت محكمة الاستئناف برد وبطلان إيصال الأمانة، وبتاريخ 30 أغسطس 2023 ألغت الحكم الابتدائي وقضت برفض الدعوى.

​ثانياً: الثغرة القانونية والدفاع الجوهري أمام محكمة النقض

​أمام محكمة النقض، قدم الطاعن مذكرة طعن صاغها ببراعة واقتدار، ناعياً على الحكم المطعون فيه القصور في التسبيب، والفساد في الاستدلال، والإخلال بحق الدفاع. وتلخصت ثغرات تقرير الخبير وأسباب الطعن فيما يلي:

  1. إغفال اليد المستخدمة في الكتابة: أغفل الخبير كلياً الإشارة في تقريره إلى أي اليدين (اليمنى أم اليسرى) استُخدمت في استكتاب الخصم، وهو أمر فني بالغ الخطورة والجوهرية؛ إذ إن استخدام الخصم ليد غير معتادة يُعد وسيلة شائعة لتضليل الخبير وافتعال التغيير في الخصائص الخطية.
  2. الظرف الكتابي المتقارب والتناقض الظاهر: التقرير انتهى إلى أن المطعون ضده كتب بيانات جوهرية (اسم المستلم منه، والمبلغ تفصيلاً بالكلمات والأرقام) في ظرف كتابي لاحق للبيانات الأولى المنسوبة لغيره؛ ومقتضى ذلك أن تلك البيانات الأخرى كانت تحت بصره وفي حيازته أثناء كتابته للبند المالي، مما ينفي منطق التزوير المطلق ويقتضي التحقيق.
  3. تجاهل الطلبات الجازمة والمؤثرة:
    • ​طلب ندب لجنة ثلاثية من خبراء أبحاث التزييف والتزوير لإعادة الاستكتاب بكلتا اليدين وفحص الاعتراضات.
    • ​طلب استجواب المطعون ضده تفصيلياً عن الظروف والمناسبة التي حرر فيها العبارات الثابت كتابته لها بخط يده على ذات المستند.

​ثالثاً: القواعد والأصول القانونية التي أرستها محكمة النقض

​استجابت محكمة النقض لطعن الطاعن وأبدت النيابة العامة رأيها بضرورة نقض الحكم.

 وقبل أن تُصدر منطوقها بإحالة القضية مجدداً، أرست المحكمة عدة قواعد قضائية تُعد مرجعاً لعمل المحاكم والخبراء:

​1. الرقابة على أسباب تقارير الخبراء

​أكدت المحكمة أنه إذا أخذت محكمة الموضوع بتقرير الخبير المقدم في الدعوى وأحالت في أسباب حكمها إليه، وكانت أسبابه لا تؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها، أو مخالفة للقانون، أو لا تصلح رداً على دفاع جوهري تمسك به الخصوم، فإن حكمها يكون معيباً واجب النقض.

​2. واجب إحاطة المحكمة بالدعوى عن بصر وبصيرة

​الأصل أن أخذ المحكمة بدليل اطمأنت إليه وطرح ما عداه مشروط بأن تكون قد اطلعت على الأدلة كافة وأخضعتها لتقديرها الفعلي والموضوعي، ليتسنى لمحكمة النقض بسط رقابتها على سداد الحكم وسلامة أسبابه.

​3. إلزامية الفصل في الدفاع الجوهري

​كل طلب أو وجه دفاع يُبدى أمام محكمة الموضوع بطريق الجزم، ويكون الفصل فيه مما يترتب عليه تغيير وجه الرأي في الدعوى، تلتزم المحكمة بالإجابة عليه في أسباب حكمها بأسباب سائغة ومبررة، وإلا بطل حكمها للإخلال بحق الدفاع.

​4. ضوابط استخدام وتفعيل "استجواب الخصوم"

​على الرغم من أن استجواب الخصم هو رخصة جوازية لمحكمة الموضوع، إلا أن رفض هذا الطلب مشروط بأن يكون الرفض قائماً على اعتبارات سائغة لها أصل ثابت بالأوراق، لا سيما وأن استجواب الخصوم هو طريق تحقيق مقرر لاستجلاء الوقائع الغامضة وتحديد وجه الحق في المنازعة.

​رابعاً: إنزال المبادئ على واقعة النزاع والتطبيق العملي

​عند إنزال المحكمة لهذه القواعد على ملابسات القضية، انتهت إلى فحص دقيق ومفصل لما اعتور الحكم المطعون فيه من عيوب:

نص من الحيثيات:

"لما كان ذلك، وكان الثابت من تقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير - حسبما حصله الحكم المطعون فيه - أن المطعون ضده لم يحرر التوقيعين المنسوبين إليه بالإيصال سند الدعوى ولم يحرر بيانات اسمه ورقمه القومي وعنوانه، ولكنه الكاتب لبيانات اسم المستلم منه والمبلغ أرقاماً وحروفاً واسم المسلم إليه وذلك في ظرف كتابي لاحق على البيانات التي لم يكتبها، بما مؤداه أن هذه البيانات - المزورة - كانت تحت بصر المطعون ضده حال كتابته البيانات المحررة منه، وهو أمر يستلزم من المحكمة استجلاء وجه الحق في شأنه واستيضاح سببه وأن تقول كلمتها فيه وفي دلالته..."


​وأضافت المحكمة أنه طالما تمسك الطاعن باستجواب المطعون ضده وطلب لجنة ثلاثية لإعادة استكتابه بكلتا يديه لمواجهة شائبة التضليل، وكان هذا الدفاع جوهرياً يتغير به وجه الرأي في الدعوى، فإن إغفال المحكمة الاستئنافية له يوصم حكمها بـ القصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع.

​خامساً: منطوق الحكم والدلالات الإجرائية

​بناءً على ما تقدم، أصدرت محكمة النقض قضاءها الحاسم:

  • منطوق الحكم: نقض الحكم المطعون فيه، وإحالة القضية إلى محكمة استئناف المنصورة لتحكم فيها من جديد بهيئة أخرى، وإلزام المطعون ضده المصروفات ومبلغ مائتي جنيه أتعاب محاماة.

سادساً: الدروس والتوصيات العملية للممارسين القانونيين

​يقدم هذا الحكم زاداً قانونياً واستراتيجياً للمحامين والممارسين في قضايا التزوير والخبرة الفنية:

  1. عدم التسليم التلقائي بتقرير الخبير: يجب ألا يقف المحامي عند خانة "النتيجة النهائية" للتقرير، بل عليه غوص التفاصيل الإجرائية (طريقة الاستكتاب، نوع الأدوات، وضعية الكاتب، واليد المستخدمة).
  2. صياغة الاعتراضات الفنية بطريق الجزم: عند وجود عيب فني أو إجرائي في التقرير، يجب إبداء الطلبات (كطلب لجنة ثلاثية أو استجواب الخصم) بصيغة جازمة وصريحة في المذكرات لتكون سبباً قاطعاً لإلغاء الحكم أو نقضه إذا أُغفلت.
  3. أهمية الربط بين الظروف الكتابية والوقائع: كشف التناقض بين كتابة بعض العبارات بخط يد الخصم والادعاء بالتزوير في العبارات الأخرى هو المحور الذي يقلب موازين الدعوى ويجبر المحكمة على تحقيق الوقائع بنفسها.


تنبيه قانوني: هذا المقال لغرض التوعية القانونية العامة فقط، ولا يغني عن استشارة محامٍ متخصص في موضوعك تحديداً نظراً لتغير القوانين وتشعب الحالات وتنوع الدفوع من قضية لأخرى.

خاتمة واستشارة قانونية:

الخاتمة والتوصيات العملية للممارسين القانونيين :

​يقدم هذا الحكم زاداً قانونياً واستراتيجياً للمحامين والممارسين في قضايا التزوير والخبرة الفنية:

  1. عدم التسليم التلقائي بتقرير الخبير: يجب ألا يقف المحامي عند خانة "النتيجة النهائية" للتقرير، بل عليه غوص التفاصيل الإجرائية (طريقة الاستكتاب، نوع الأدوات، وضعية الكاتب، واليد المستخدمة).
  2. صياغة الاعتراضات الفنية بطريق الجزم: عند وجود عيب فني أو إجرائي في التقرير، يجب إبداء الطلبات (كطلب لجنة ثلاثية أو استجواب الخصم) بصيغة جازمة وصريحة في المذكرات لتكون سبباً قاطعاً لإلغاء الحكم أو نقضه إذا أُغفلت.
  3. أهمية الربط بين الظروف الكتابية والوقائع: كشف التناقض بين كتابة بعض العبارات بخط يد الخصم والادعاء بالتزوير في العبارات الأخرى هو المحور الذي يقلب موازين الدعوى ويجبر المحكمة على تحقيق الوقائع بنفسها.

نص حكم محكمة النقض👇 






⚖️ مكتب الأستاذ : محمد اسماعيل منصور
المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة / ماجستير القانون العام

📍 يسعدنا استقبالكم بمقر المكتب الرسمي، أو تقديم الدعم القانوني السريع عبر رابط الواتساب المباشر في أعلى المقال.


جميع الحقوق محفوظة © 2026 للأستاذ محمد اسماعيل منصور المحامي

يمنع نسخ أو إعادة نشر هذا المحتوى أو اقتباسه دون ذكر المصدر برابط مباشر، حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية والجهد المبذول في التأصيل والتحليل القانوني.