تُعد الاستعانة بالخبرة الفنية في المواد الجنائية والمدنية أحد أهم الركائز التي يستند إليها القضاء والنيابة العامة للوصول إلى الحقيقة؛ فالقاضي أو محقق النيابة العامة – وإن كان خبيرًا في القانون – إلا أنه لا يملك الإحاطة بالمسائل الفنية الدقيقة كالطب الشرعي، أو التزييف والتزوير، أو الهندسة، أو الحسابات.
من هنا، أحاط المشرع الإجرائي عملية "ندب الخبراء" بمجموعة من الضمانات الصارمة لضمان حيدة الخبير ودقة تقريره، وهو ما نلمسه بوضوح في النصوص المنظمة لأعمال الخبرة أثناء مرحلة التحقيق الابتدائي.
أولاً: تحديد المهمة وحلف اليمين (ركن المشروعية الإجرائية)
تنص القواعد المستقرة على أنه إذا اقتضى التحقيق الاستعانة بخبير، وجب على عضو النيابة العامة إصدار أمر ندب مكتوب ومفصل.
لا ينبغي أن يكون الندب تجهيليًا، بل يجب أن تُحدد فيه ماهية المهمة الموكلة إليه بدقة (كبيان سبب الوفاة، أو فحص التوقيع المطعون فيه).
وتأكيدًا على نزاهة المهمة، ألزم القانون الخبير بـ حلف اليمين أمام المحقق بأن يؤدي عمله بالصدق والأمانة قبل مباشرة مأموريته، وتُستثنى من ذلك الفئات المقيدة في جداول الخبراء الرسميين الذين سبق لهم أداء اليمين القانونية عند اعتمادهم أمام الجهات القضائية. ويترتب على إغفال حلف اليمين – لغير الفئات المستثناة – بطلان الإجراءات وما ترتب عليها من تقارير.
ثانياً: إدارة الوقت والالتزام بالمواعيد القضائية
لم يترك المشرع ميعاد تقديم التقارير الفنية لتقدير الخبير المطلق، تفاديًا لإطالة أمد القضايا وضياع معالم الجريمة أو حقوق الخصوم. لذلك:
- يلتزم عضو النيابة العامة بتحديد أجل محدد للخبير لتقديم تقريره الفني.
- في حال تراخي الخبير أو عدم تقديمه التقرير في الميعاد دون عذر مقبول، مَنَح القانون النيابة العامة سلطة استبداله بخبير آخر فورًا لضمان استمرارية التحقيق وعدم تعطيل العدالة.
ثالثاً: علنية وإجراءات المأمورية وحضور الخصوم
من القواعد المرنة في مرحلة التحقيق أن المشرع أجاز لعضو النيابة العامة حضور ومواكبة الخبير أثناء مباشرة مأموريته الفنية إذا رأى مصلحة في ذلك.
أما فيما يتعلق بالخصوم، فقد منحت القواعد الإجرائية للخبير الحق في أداء مهمته بغير حضور الخصوم إذا اقتضت طبيعة العمل الفني ذلك (كالفحص المختبري للسموم أو الأحراز).
هذا الإجراء لا يعد إخلالاً بحق الدفاع، لأن التقرير النهائي سيكون مطروحًا للمناقشة والمواجهة لاحقًا.
رابعاً: تكافؤ الفرص والاستعانة بالخبير الاستشاري
تطبيقًا لمبدأ "المواجهة العادلة"، لم يقيد القانون الخصوم بالتقرير الذي تندبه النيابة العامة؛ بل أجاز لهم الاستعانة بخبير استشاري على نفقتهم الخاصة.
- حق الاطلاع: يملك الخبير الاستشاري الحق في الاطلاع على الأوراق وكافة المستندات التي قُدمت للخبير المنتدب الأصلي.
- القيد الزمني: اشترط المشرع ألا يترتب على الاستعانة بالخبير الاستشاري أو تمكينه من الاطلاع أي تأخير في السير في الدعوى، منعًا لاستغلال هذا الحق كوسيلة للمماطلة.
خامساً: حيدة الخبير وضمانة الرد (رد الخبير)
الخبير بمثابة القاضي الفني في الدعوى، لذا يجب أن يتوافر فيه شرط الحيدة المطلقة.
إذا استشعر الخصوم عدم حيدة الخبير أو وجود مصلحة أو خصومة سابقة، مَنَحهم القانون حق "رد الخبير":
- الجهة والمدة: يُقدم طلب الرد مسببًا إلى عضو النيابة العامة، والذي يلتزم بالفصل فيه خلال ثلاثة أيام من تاريخ التقديم.
- الأثر المترتب على طلب الرد: بمجرد إخطار الخبير بطلب الرد، يتوقف وجوبًا عن الاستمرار في عمله كأصل عام لمنع إنتاج أدلة قد يثبت بطلانها لاحقًا.
- الاستثناء (حالة الاستعجال): إذا كان التوقف يضر بمصلحة التحقيق (كخوف فساد الأحراز أو ضياع الأدلة)، يجوز لعضو النيابة إصدار أمر باستمرار الخبير في عمله مؤقتًا رغم طلب الرد.
تنبيه قانوني: هذا المقال لغرض التوعية القانونية العامة فقط، ولا يغني عن استشارة محامٍ متخصص في موضوعك تحديداً نظراً لتغير القوانين وتشعب الحالات.
خاتمة واستشارة قانونية:
إن القواعد المنظمة لندب الخبراء في التحقيقات الجنائية والنيابية تمثل توازنًا دقيقًا بين كفالة حق الدولة في العقاب وسرعة جمع الأدلة من جهة، وبين توفير ضمانات المحاكمة العادلة وحق الدفاع من جهة أخرى.
إن وعي أطراف الخصومة بهذه المواد وبمواقيت تقديم الطعون والردود، هو الضمانة الحقيقية للوصول إلى عدالة ناجزة قائمة على يقين علمي وفني لا يتطرق إليه الشك.
إن الإلمام بمواعيد وإجراءات التقاضي هو حجر الزاوية في استرداد الحقوق.
الأستاذ : محمد اسماعيل منصور
المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة/ ماجستير القانون العام
جميع الحقوق محفوظة © 2026 للأستاذ محمد اسماعيل منصور المحامي
يمنع نسخ أو إعادة نشر هذا المحتوى دون ذكر المصدر برابط مباشر، حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية والجهد المبذول في التأصيل القانوني.
