هذا الحكم الصادر حديثاً عن الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها بمحكمة النقض بتاريخ 15 يونيو 2026 (الطعن رقم 32277 لسنة 95 ق "هيئة عامة")، يمثل عدولاً تاريخياً ومبدأً قضائياً شديد الأهمية ينظم العلاقة بين حقوق الملكية الخاصة وسلطة الدولة في نزع الملكية للمنفعة العامة.
فيما يلي تحليل قانوني لأبعاد هذا الحكم المقرر لمبدأٍ جديد :
1. جوهر الخلاف القانوني (الاتجاهان قبل صدور الحكم)
كانت دوائر محكمة النقض منقسمة إلى اتجاهين رئيسيين بشأن دعاوى التعويض الناشئة عن استيلاء الحكومة على العقارات للمنفعة العامة دون اتباع الإجراءات القانونية (الاستيلاء الفعلي/الغصب):
- الاتجاه الأول: يرى أن هذه الدعاوى هي دعاوى تعويض تسقط بمضي 15 سنة من تاريخ الاستحقاق عملاً بالمادة 374 من القانون المدني، وتكسب الدولة ملكية العقار بالتقادم الطويل بمجرد مرور هذه المدة.
- الاتجاه الثاني: يرى أن استيلاء الدولة دون اتباع الإجراءات القانونية هو "غصب"، ودعوى استرداد العقار أو المطالبة بقيمته (كبديل عيني) هي دعوى استحقاق لا تسقط بالتقادم أبداً، لأن حق الملكية حق دائم لا يسقط بعدم الاستعمال.
2. ما قررته الهيئة العامة لمحكمة النقض (المبدأ المستحدث)
انحازت الهيئة العامة بأغلبيتها إلى الاتجاه الثاني، وقررت العدول عن الاتجاه الأول، وأرست القواعد الآتية:
- الاستيلاء الفعلي "غصب": إذا استولت الحكومة على عقار للمنفعة العامة دون اتباع الإجراءات التي أوجبها قانون نزع الملكية (القانون رقم 10 لسنة 1990)، فإن هذا الاستيلاء يُعد بمثابة "غصب" واعتداء مادي لا ينقل الملكية للدولة.
- عدم سقوط الدعوى بالتقادم: دعوى التعويض الناشئة عن هذا الاستيلاء هي في حقيقتها "دعوى استحقاق" (بدل عيني عن العقار الذي استحال رده)، وبالتالي لا تسقط بالتقادم مهما طال الزمن، لأن حق الملكية دائم ولا يسقط بعدم الاستعمال.
- ضوابط كسب الدولة للملكية: لا يمكن للدولة تملّك العقار المنزوع غصباً بالتقادم إلا إذا توافرت شروط الحيازة المكسبة للملكية المقررة في المادة 374 من القانون المدني (ظهور، هدوء، نية التملك، واستمرار لمدة 15 سنة متصلة دون انقطاع).
- سقوط قرار نزع الملكية: أكد الحكم أنه إذا صدر قرار نزع الملكية ولم تُودع النماذج أو القرار الوزاري خلال سنتين من تاريخ نشر قرار المنفعة العامة في الجريدة الرسمية، سقط القرار واعتبر كأن لم يكن بالنسبة للعقارات التي لم تُودع نماذجها.
3. الأثر العملي والتطبيق في الطعن الماثل
بناءً على المبدأ المتقدم، قضت الهيئة العامة بـ:
- إقرار المبدأ القانوني المتمثل في عدم سقوط دعاوى التعويض عن نزع الملكية الفعلي (الغصب) بالتقادم.
- إعادة الطعن إلى الدائرة المختصة بمحكمة النقض للفصل في موضوع الطعن الماثل وتطبيق هذا المبدأ على واقعة النزاع (المتعلقة بأرض منزوعة لإنشاء وتوسيع طريق رافد المنصورة جمصة).
و اقرأ أيضاً 👈 الضمانات الإجرائية في ندب الخبراء أمام النيابة العامة في قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025
تنبيه قانوني: هذا المقال لغرض التوعية القانونية العامة فقط، ولا يغني عن استشارة محامٍ متخصص في موضوعك تحديداً نظراً لتغير القوانين وتشعب الحالات.
خاتمة واستشارة قانونية:
إن هذا العدول التاريخي من الهيئة العامة لمحكمة النقض يمثل سياجاً منيعاً يصون الملكية الخاصة التي كفل الدستور حمايتها، ويؤكد على أن دولة القانون لا تقبل إهدار حقوق الأفراد تحت شعار المنفعة العامة إلا من خلال قنوات قانونية واضحة تعوض المالك تعويضاً عادلاً ومسبقاً.
إن الإلمام بمواعيد وإجراءات التقاضي هو حجر الزاوية في استرداد الحقوق.
الأستاذ : محمد اسماعيل منصور
المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة/ ماجستير القانون العام
جميع الحقوق محفوظة © 2026 للأستاذ محمد اسماعيل منصور المحامي
يمنع نسخ أو إعادة نشر هذا المحتوى دون ذكر المصدر برابط مباشر، حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية والجهد المبذول في التأصيل القانوني.







