المقدمة
يُشكل الشق الإجرائي في المواد الجنائية الصياغة العملية للضمانات الدستورية التي تُحيط بحريات الأفراد وحقوقهم.
ومع صدور القانون رقم 174 لسنة 2025 بإنهاء العمل بالقانون القديم رقم 150 لسنة 1950، أثار المشرّع المصري إشكالية الفقه القانوني الأزلية المتعلقة بسريان القانون الإجرائي من حيث الزمان، وحدود الأثر المباشر في مقابل استقرار المراكز القانونية المكتسبة.
تكمن مشكلة البحث في كيفية توفيق التشريع الجديد بين المبدأ العام المتمثل في "الأثر الفوري والمباشر للقوانين الإجرائية" وبين الضوابط الاستثنائية التي وردت في مواد الإصدار لحماية الحقوق الإجرائية المستقرة وضمان حسن سير المرفق القضائي دون اضطراب.
المبحث الأول: نطاق تطبيق التشريع الإجرائي وحماية التخصص والضمانات
المطلب الأول: الشريعة العامة واستمرار القواعد الإجرائية الخاصة (المادة الأولى)
أقر المشرّع في المادة الأولى مبدأ الشريعة العامة للقانون الجديد مع الأخذ باستثناء القوانين الخاصة (قوانين الإرهاب، المحاكم الاقتصادية، والأحداث).
- التكييف الفقهي: إعمال قاعدة "الخاص يقيّد العام" تمنع إلغاء الضمانات أو القواعد الاستثنائية المنصوص عليها في التشريعات الخاصة، مما يحقق التكامل التشريعي دون إحداث فراغ إجرائي.
المطلب الثاني: الأثر المباشر واستثناء الأحكام الغيابية في الجنح (المادة الثانية)
استثنت المادة الثانية الطعون المرفوعة على الأحكام الغيابية الصادرة في الجنح قبل العمل بالقانون الجديد، موجهةً باستمرار نظرها وفق الإجراءات السابقة.
- الأساس القانوني: يُعد هذا النص تطبيقاً لمبدأ عدم الرجعية الجنائية الماسة بالحقوق الإجرائية، استناداً إلى أن القواعد الجديدة قد تُثقل كاهل الطاعن بشروط شكلية أو مواعيد أضيق، مما يستوجب صيانة المراكز التراكمية التي تشكلت في ظل التشريع القديم.
المبحث الثاني: التنظيم القضائي والانتقال التشريعي
المطلب الأول: الضبط الزمني لاستئناف الجنايات (المادة الثالثة)
ربط التشريع سريان نظام استئناف الجنايات بالدعاوى التي لم يُفصل فيها اعتباراً من تاريخ العمل بالقانون رقم 1 لسنة 2024.
- الأهمية العملية: يضمن هذا النص الحفاظ على مبدأ التقاضي على درجتين، ويحول دون تنازع الاختصاص الزمني بين محاكم الجنايات بدرجتيها، مستنداً إلى مبدأ استقرار الحقوق بمضي الزمن في الاستئناف.
المطلب الثاني: الإلغاء الصريح والنسخ الضمني (المادة الرابعة)
ألغت المادة الرابعة قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950 وقانون تسليم المتهمين رقم 140 لسنة 2014، فضلاً عن النسخ الضمني لكل نص يخالف التشريع الجديد.
- التحليل التشريعي: يُحقق هذا الدمج توحيد السلسلة الإجرائية في مدونة واحدة، مما يعزز أمن العدالة ويقضي على شتات النصوص المبعثرة بين التعاون القضائي الدولي والإجراءات المحلية.
المبحث الثالث: النفاذ الإداري والمهلة الانتقالية
المطلب الأول: التفويض اللائحي واستمرارية المرفق القضائي (المادة الخامسة)
منح النص وزير العدل سلطة إصدار اللوائح والقرارات التنفيذية، مع الإبقاء على القرارات النافذة بما لا يتعارض مع التشريع المحدث.
- الغاية الإدارية: الحفاظ على استمرارية العمل في النيابات والمحاكم وتجنب العطلة الإجرائية أثناء فترة التحديث اللائحي.
المطلب الثاني: الإرجاء الزمني للنفاذ وأثره على الأمن القانوني (المادة السادسة)
حدد القانون بدء العمل به اعتباراً من الأول من أكتوبر التالي لتاريخ نشره.
- و هذه الفترة الزمنية تمنح القضاة و النيابة العامة، والمحامين، والجهات الشرطية فرصة لاستيعاب التعديلات الجوهرية، وتحقيق "الأمن القانوني" بعيداً عن المفاجآت التشريعية.
الخاتمة والنتائج
- حماية المراكز: نجحت المواد الإصدارية في القانون رقم 174 لسنة 2025 في صياغة الانتقال من القانون القديم إلى الجديد عبر التوفيق بين المباشرة الإجرائية وحماية حقوق الدفاع المكتسبة.
- التوحيد التشريعي: ألغى القانون التشتت الإجرائي بدمج أحكام تسليم المتهمين وقواعد التقاضي الحديثة في إطار موحد.
- التأهيل العملي: أتاح المشرع مهلة زمنية كافية للنفاذ، مما يعكس صياغة إجرائية تعتمد معايير الجودة التشريعية.
